محمد متولي الشعراوي

6046

تفسير الشعراوى

وما دام الحق سبحانه هو الذي يقول ذلك - وهو خالق الخلق - فلن تأتى قضية كونية تناقضها ، ولو وجدت - معاذ اللّه - قضية كونية تناقضها ، فالآية لن تكون صادقة . وهذا لم ولن يحدث أبدا مع آيات الحق سبحانه ؛ لأنه هو خالق الكون ، وهو منزل الآيات ؛ فلا يمكن أن يحدث تناقض أبدا بين الكون وكلام خالق الكون سبحانه وتعالى . وقد حدث أن ادعى بعضهم « 1 » العزة لنفسه وقالوا : . . لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . . ( 8 ) [ المنافقون ] وكان مغزى قولهم هو ادعاء العزة لأنفسهم ، وادعاء الذلة للمؤمنين . إذن : فالعزة قد ادّعيت ، وما دامت قد ادعيت فلماذا لم تأت بأسلوب القصر ؟ نقول : لا ، لقد شاء الحق سبحانه أن يقول : . . وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ . . ( 8 ) [ المنافقون ] فالعزة لله لا تتعداه ، ولكنه سبحانه شاء أن تكون عزة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وعزة المؤمنين من باطن عزة اللّه تعالى . وقول الحق سبحانه هنا : . . إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً . . أي : في كل ألوانها هي لله سبحانه وتعالى ، إن كانت عزة حكمة فهو الحكيم ، وإن كانت عزة القبض على الأمور فهو

--> ( 1 ) هو عبد اللّه بن أبىّ رأس النفاق في المدينة ، وكان ذلك في غزوة بنى المصطلق في شهر شعبان في السنة السادسة من الهجرة ، وذلك أنه وصف محمدا وصحبه فقال : « قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا ، واللّه ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول : سمّن كلبك يأكلك ، أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل . ثم أقبل على من حضره من قومه فقال لهم : هذا ما فعلتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما واللّه لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير داركم » . أورده ابن هشام في السيرة النبوية ( 3 / 290 ، 291 ) .